ابن عربي

310

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

يستطع أن يحرّك به يده ، حتى ألقاه من يده ، فقال : يا هذا ، ما الذي بين يديك ؟ وكيف يستطاع أخذه ؟ فإني لم أجد له سبيلا . فهو لك أم لغيرك ؟ فإني أعجب مما أرى منه ، فإن كنت أيها الرجل جوادا فإني ذو حاجة إليه ، فجد بأي ما شئت منه . وإن كنت بخيلا فأخبرني أعذرك . فقال له الأعمى : اطلب رجلا قد غاب منذ سنين ، وهو سعد بن خشرم بن شماس ، فائتني به يعطيك ما تشاء مما تريد . قال : فانطلق نجيح مسرعا ، وقد استطار مما رأى فؤاده ، حتى وصل إلى قومه ، ودخل خباءه ، ووضع رأسه ، ونام لما به من الغم ، لا يدري من سعد بن خشرم ؟ فأتاه آت في منامه ، فقال له : يا نجيح ، إن سعد بن خشرم في حي بني محلم ، من ولد ذهل بن شيبان . فاسأل عن بني محلم ، ثم سل عن سعد بن خشرم بن شماس . فإذا هو بشيخ قاعد على باب خبائه ، يعني خشرم أبا سعد ، فجاءه نجيح وسلّم عليه ، فرد عليه خشرم . فقال له نجيح : من أنت ؟ قال : أنا خشرم . قال : فأين سعد ؟ قال : خرج في طلب نجيح اليربوعي . فعرف نجيح القصة وكتمه في نفسه . وصرف نجيح فرسه ومضى وهو يقول : أيطلبني من قد عناني طلابه * فيا ليتني ألقاك سعد بن خشرم أتيت ابن يربوع لتبغي لقاءه * وجئت لكي ألقاك حي محلم فلما دنا نجيح من محلته ، استقبله سعد . فقال له نجيح : يا أيها الركب ، لقيت سعدا في بني يربوع ؟ قال : أنا سعد ، فهل تدلني على نجيح ؟ قال : أنا نجيح . وحدثه بالحديث . فقال سعد : الدال على الخير كفاعله . وهو أول من قاله . فانطلقا حتى أتيا ذلك المكان فتوارى الأعمى ، فأخذه سعد كله . فقال نجيح : يا سعد ، قاسمني . فقال له : أطوعن مالي كشحا . وأبي أن يعطيه . فانتضى نجيح سيفه فجعل يضربه حتى برد . فلما وقع قتيلا تحوّل الرجل الحافظ للمال ثعلا وأسرع في أكل سعد وعاد المال إلى مكانه . فلما رأى نجيح ذلك ولّى هاربا إلى قومه . ويقال في المثل : أبخل من أبي عبس ، وكان من شأنه إذا وقع الدرهم في يده نقره بإصبعه ، ثم يقول : كم من مدينة قد دخلتها ؟ ويد قد وقعت فيها ؟ فالآن استقر بك القرار ، واطمأن بك الدار . ثم يرمي به في صندوقه فيكون آخر العهد به . وشبيه ذلك شخص يقال له خليل ، من أعيان أهل فارس وأجلّهم قدرا ، دخل منزلي يوما فرآني أهب شيئا من دراهم كانت عندي ، ورأى السرور في وجهي بذلك ، فقال لي : يا سيدنا ، ما تقول في أمري ؟ قلت : وما أمرك ؟ قال : إني أعشق الناس في الدنيا والدرهم . فقلت له : جماعة من كرام الناس يحبون الجدة من أجل الجود ، فيجدون ما يهبون . فقال :